ادارة الأداءرحلة العميلمقالات

كيف أضحت خدمة العملاء (العناية بالعملاء) ما بين سنديان الذكاء الإصطناعي و سياسة البقشيش؟

كيف أضحت خدمة العملاء (العناية بالعملاء) ما بين سنديان الذكاء الإصطناعي و سياسة البقشيش؟

م. شادي النخالة

 

خدمة العملاء

كيف أضحت خدمة العملاء (العناية بالعملاء) ما بين سنديان الذكاء الإصطناعي و سياسة البقشيش؟

صحيح عزيزي القارئ، ربما تستغرب من العنوان، ولكن هذا فعليا ما آلت إليه خدمة العملاء والتي كانت تسمى في وقت سابق “العناية بالعملاء”، هذا المقال دسم ويحتاج إلى كوب من الشاي أو القهوة حسب تفضيلك، لذا هيا بنا.

قرأت مؤخرا مقال حديث نُشر للأستاذ حمود المحمود، رئيس تحرير فورتشن العربية، ورئيس المحتوى في منصة مجرة، تحدث فيه عن حجم معاناة العملاء مؤخرا مع شركات و علامات تجارية اتجهت لتقليل الاعتماد على الموظفين البشريين و الاتجاه للذكاء الاصطناعي و روبوتات الدردشة الآلية للرد على طلبات و شكاوي و استفسارات العملاء (العناية بالعملاء)، وعلى الجهة الأخرى اتجه البعض الأخر  من الشركات والعلامات التجارية إلى الاعتماد على مدى جهد العامل في تقديم خدمة ذات جودة (حسب اجتهاده الشخصي) وذلك على أمل الحصول على بقشيش في نهاية المطاف، ولم تعد جودة خدمات ما بعد البيع ركيزة اساسية لدى الشركات التي توجهت لثقافة البقشيش وجعلت من موظفيها متسولين.

وعلى الرغم من أن مبالغ البقشيش صغيرة، فإن خلق هذه الثقافة قد حول بعض الشركات والمطاعم وسيارات الأجرة للاعتماد عليه بشكل شبه كامل، حيث أخلت هذه الشركات مسؤوليتها تجاه دفع رواتب محترمة لموظفيها تاركة لهم حرية تسوّل البقشيش، لدرجة أصبح فيها البقشيش هو معيار الخدمة مقدماً، وليس طواعية في نهاية الخدمة“، هذا ما أشار إليه الأستاذ حمود في مقاله.

على صعيد شخصي، أذكر أول زيارة لي للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2014م في ولاية فلوريدا وتحديدا ميامي أثناء حضوري لمساق أكاديمي خلال دراستي لإدارة الأعمال، عندما ذهبت للمطعم المجاور للفندق وعند طلب الحساب ناولني النادل جهاز السحب الآلي المحمول للبطاقة البنكية ووجدت عليها ثلاثة اختيارات لتضمين البقشيش في الفاتورة النهائية قد تصل ما قيمته إلى الربع من اجمالي الفاتورة – 15%، 20، 25% – عندها شعرت بالارتباك حيث أنها المرة الأولى لي ولا ادري إن كان هذا الحدث هو حدث تقليدي متعارف عليه أو أنه ثقافة مجتمعية ويجب عليّ التماشي معها وقبولها، وكان ارتباكي تحديدا من حيث هل هو إجباري بأن أدفع البقشيش، وإذا كان كذلك كم القيمة المتعارف عليها، وفي حال لم ادفع كيف سأبدو في أعين النادل وهل سيكون لدى النادل الرغبة في خدمتي بشكل لائق في حال زرت المطعم مرة أخرى وأصبحت تدور عشرات الأسئلة في ذهني في بضع ثواني قبل عملية الدفع وأذعنت لاحقا في دفع 15% بقشيش و قد أصابني الدوار، لماذا على أن أدفع بقشيش تقديرا لمجهود النادل في خدمتي بشكل لائق ولماذا لا تكون جودة الخدمة عنصر أساسي في تقديمها ومتضمنة في سعرها النهائي، وهل سيذهب البقشيش للنادل ام للشيف لأنه أكرمني بزيادة كمية البطاطس المقلية، وهل سيطالبني عامل النظافة في دورة المياه ببقشيش أيضا في حال رغبت في استخدام التواليت، وهكذا دواليك توالت الاسئلة في ذهني.

يبدو من السهل على الشركات أن تترك للعملاء مسؤولية تحديد جودة الخدمة التي يتلقونها عبر البقشيش بدلاً من اعتبارها في صلب عملهم، فهذه الشركات لديها ما هو أهم لتركز عليه وتستثمر فيه، وهو “النمو”، والنمو السريع والكبير أولاً وثانياً وثالثاً“، كان هذا ما استشهد به الأستاذ حمود. ويقصد بالنمو هو نمو الايرادات ونمو الأرباح وبالتالي نمو حجم الأعمال والتوسع في فتح فروع أخرى او شركات شقيقة، وهذا كله يعتمد في المقام الأول على نمو قاعدة العملاء وهو الهدف الأكبر لهذه الشركات وهو المولد لكل عمليات النمو الآنف ذكرها.

وفي توجه أخر نجد أن الشركات (خاصة شركات التقنية والتكنولوجيا) بدأت بالبعد عن المفهوم السائد والمتبع في تصميم تجارب العملاء ألا وهو مفهوم التمحور حول العميل “الإنسان” – Customer “Human” Centric Approach – حيث أنه من وجهة نظرهم التشغيلية فإن خدماتهم تقدم للعملاء بشكل مجاني (خاصة منصات التواصل الاجتماعي الحديثة التي لديها ملايين او مليارات المشتركين حول العالم) وبالتالي فإنه على العميل عدم مطالبتهم بتوظيف المئات من ممثلي خدمة العملاء للرد على طلباتهم وشكواهم واستفساراتهم اللامنتهية في حين سيكون تركيزهم على خدمة العملاء أصحاب الاشتراكات المدفوعة، وهذا ما يدفعهم للاستعانة بأدوات الذكاء الاصناعي  وربوتات الدردشة الآلية للتعامل مع شكاوي العملاء واقفالها بأقصر وأسرع الطرق إما بتقديم حلول سطحية، أو ينتهي المطاف بالعميل إلى الملل والضجر وصرف النظر عن طلب الدعم.

وفي هذا السياق سوف اقفز عن ذكر بعض التجارب التي مررت بها شخصيا وسأكتفي بذكر تجربة صديق جاء ليفضفض لي عما حصل له مع شركة شحن وتوصيل الطرود البريدية (وهي من الشركات الكبيرة جدا)، حيث قامت شركة الشحن بإرسال شحنته (بطاقة إئتمان بنكية) بالغلط إلى مدينة أخرى (تبوك، المملكة العربية السعودية)، وكما يقال بالعامية “دار سبع دورات حول نفسه” لكي يستطيع الحديث إلى ممثل خدمة بشري ليطلب من الشركة تصحيح خطأهم وإعادة توجيه الشحنة إلى المدينة التي يقيم بها (جدة، المملكة العربية السعودية). قام صديقي  بالاتصال على خدمة العملاء أكثر من مرة، وبائت جميع محاولاته بالفشل فدائما يتم توجيهه بشكل آلي باستخدام نظام (IVR) ، بعدها قام باستخدام خدمة واتساب أعمال، وكانت النتجية مشابهة للمحاولة الأولى – رد آلى ومحادثة آلية، اخيرا توجه لأحد فروع شركة الشحن وأجابه الموظف بأنه لا يستطيع خدمته وعليه بالاتصال على الرقم المخصص لخدمة العملاء، هذا والخدمة مدفوعة من قبل البنك لشركة الشحن، فما بالك بخدمات مجانية على منصات اجتماعية / وغير اجتماعية تستخدم من قبل ملايين الناس.

 

“وهذا ما بتنا نلمسه للأسف، فأنت العميل تحاول أن تتصل بشركة الاتصالات أو البنك لشكوى أو استفسار، تجد أمامك رحلة طويلة من المجيب الآلي، ومساعدتك الذكية الآلية، وتقلبك الخيارات ذات اليمين وذات الشمال، حتى تمر نصف ساعة أو ساعة وأنت تستمع لموسيقا هادئة مستفزة أو إعلانات مكررة، إلى أن تقرر إغلاق الخط للذهاب إلى الحمام أو تستمر في الانتظار، حتى تحظى بآدمي يتحدث إليك. لقد أصبحت هذه المعاناة مجال بحث لكيفية عمل تقديم اقتراحات ونصائح للتلاعب على الذكاء الاصطناعي ومساعدة الزبائن على تجاوز هذا الانتظار. كل تلك الرحلة المتعبة، هي مقصودة كما يعلم العاملون في هذا المجال، وهدفها تخفيف خدمة الزبائن، وتخفيف التكاليف التي تتطلبها. ورغم هذه الدوامة، عندما يريد البنك، أو شركة الاتصالات، عرض خدمة جديدة عليك أو تقديم منتج جديد يدر عليه الأرباح، فإنه فجأة يتصل بك، وكأن شيئاً لم يحدث”. الأستاذ حمود واصفا المشهد الذي باتت مراكز خدمة العملاء نتنهجهه لتقليل الاعتماد على الموظفيين البشرين ومن ثم تقليل الحاجة لتوظيف جيش من موظفي خدمة العملاء (وإن دعت الحاجة للتوظيف يتم توظيف أشخاص من بلدان أخرى مثل الهند – للانجليزية، ومصر والاردن وتونس – للعربية خاصة في الخدمات الخاصة بعملاء الخليج العربي من مواطنين ومقيمين) وفي الأغلب تجد هولاء الموظفين لا يعلمون ماهي مشكلتك وكيف يمكنهم تفهم طبيعة وثقافة المجتمع والبيئة أو حتى لهجتك العامية.

خدمة العملاء الشاملة

كذلك نجد أن أغلب الشركات (من أوائل من بدأ هذا النهج هم الشركات المصنعة لأجهزة الهواتف النقالة مثل أبل وسامسونج) بدأت منذ وقت غير بعيد بتقليل خدمة العملاء  الشاملة المجانيي والاقتصار على تقديم خدمة عملاء مبسطة وتحمل اقل مستوى يمكن تقديمه لحفظ ماء الوجه، والتوجه إلى تحصيل مبالغ اضافية من العميل مقابل الحصول على خدمة عملاء خمس نجوم بأعلى المميزات والتغافل عن أن حصول العميل على خدمة عملاء مميزة وذات جودة عالية هو حق من حقوقه المستحقة وليست المكتسبة عن طريق دفع مبالغ مالية اضافية.

في الختام، دعونا نتحدث قليلا بلغة الـ CX (تجربة العميل – Customer Experience). بعد سرد ووصف المشهد الحالي لخدمة العملاء بتنا ندرك مدى أهمية تجربة العميل في هذه الجزئية حيث أصبح ذلك ينعكس بشكل سلبي على جودة الخدمة وبالتالي على مدى ارتباط العميل بالعلامة التجارية (Brand)، ومدى ولاءه الشخصي كعميل او كمسوق غير مباشر للعلامة التجارية (Net Promoter)، وينعكس بشكل سلبي على مدى رضا العملاء (Customer Satisfaction ) الذي من المفترض أن يكون أحد مؤشرات قياس أداء تجربة العميل، وأخيرا على مدى الجهد المبذول من قبل العميل في الحصول على الخدمة أو المنتج/ خدمات دعم ما بعد البيع (نقاط جهد العميل – Customer Efforts Score“CES”) كما هو ملاحظ من التجارب والاقتباسات المذكورة سابقا.

لا ينبغي أن تمر عملية تقليل تكاليف خدمة العملاء وتكاليف التشغيل من خلال تجربة العميل وخدمة العملاء، وإن كانت أهداف العلامة التجارية هي النمو السريع و كسب أكبر قدر ممكن من العملاء الجدد (أو من عملاء المنافسين) فحتما ستجد العلامة التجارية نفسها في يوم ما تحت وطأة تسرب العملاء (إما لمنافسين أخرين، أو لعدم إيمان العملاء الجدد بمدى مصداقية و جودة الخدمة المقدمة).

“على الشركات والعلامات التجارية أن تدرك أن الولاء ليس مرتبطا فقط بولاء العملاء للعلامة التجارية ولكن مرتبط أيضا بشكل جذري بمدى ولاء العلامة التجارية لعملائها على المدى البعيد”

وبالمقابل، على الجهات الحكومية المشرعة والتنظيمية، سن القوانين اللازمة في هذا الاطار بما يعمل أولا على ضمان تقديم الشركات خدمات مابعد البيع بشكل مميز وذات جودة عالية، وثانيا على ضمان حماية العميل وحقه في الحصول على خدمة عملاء مميزة مقابل المبالغ المالية المدفوعة للخدمة أو المنتج. تماما مثل ما قامت به وزارة التجارة السعودية في هذ الاطار، اولا من تمديد ضمان الاجهزة الكهربائية والإلكترونية لمدة سنتين بشكل اجباري على الشركات والوكلاء، وثانيا بالتعامل مع شكاوي العملاء التي تم تصعيدها لوزارة التجارة مما أجبر الشركات على التعامل بجدية وحذر مع شكاوي عملائهم وتقديم الحلول السريعة والفعّالة وإلا ستجد الشركات نفسها تحت مساءلة وزارة التجارة ودخولها في دوامة الرد على اتصالات ومتابعات وزارة التجارة وهذا يعني مجهود مضاعف واضافي أصبح يشكل عبئ على الشركات بالتالي اصبحت الشركات تفضل حل طلبات وشكاوي العملاء منذ البداية تفاديا لتصعيدها لوزارة التجارة.

أخيرا، على الشركات والعلامات التجارية أن تدرك وتضع نصب أعينها “أن الولاء ليس مرتبطا فقط بولاء العملاء للعلامة التجارية ولكن مرتبط أيضا بشكل جذري بمدى ولاء العلامة التجارية لعملائها على المدى البعيد”.

شادي النخالة

حاصل على بكالوريوس هندسة المعدات الطبية من جامعة عجمان - الإمارات العربية المتحدة، ودبلوم عالي في إدارة الأعمال من جامعة مانشستر – المملكة المتحدة. يتميز شادي بخبرة عملية تجاوزت الخمسة عشر سنة، في عدة صناعات وشركات عالمية. بدأ مساره المهني بمجال المبيعات والتسويق والتدريب على الاجهزة الطبية في شركات محلية بالمملكة العربية السعودية ثم بمجال المختبرات الاكلينيكية لدى شركة روش دياجنوستكس الشرق الأوسط وتدرج في مساره المهني مع روش وعمل في مجال الاستشارات الفنية والإدارية وإدارة المشاريع/ مثل تحسين الأداء وتصميم تدفق العمليات التشغيلية داخل المختبرات (Labs Workflow). حاليا يشغل شادي منصب مدير مساعد لدى شركة الاستشارات العالمية (كي بي ام جي - KPMG) حيث يعمل في حلول تصميم التجارب والإبداع - تجربة العميل (تصميم الاستراتيجية، نماذج العمل التشغيلية، تصميم رحلة العميل، التفكير التصميمي، إدارة وتصميم ورش العمل ومجموعات التركيز ومقابلات العملاء) مهتم بالمجالات التالية: تحسين الأداء والتجارب، تجربة العميل، تجربة الموظف، صوت العميل، تجارب المستخدمين الرقمية.

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى